|
عزة القصابي- ناقدة فنية/ سلطنة عمان
(صور) البحر والفنون
شهدت الأيام المسرحية لكليات العلوم التطبيقية في مدينة صور العُمانية العريقة بتاريخها، تظاهرة مسرحية طلابية حافلة بالعديد من النجوم الشبابية المتوهجة في العروض الستة المشاركة.. ولقد بذلت إدارة الكلية المضيفة في "صُور" جهودا حثيثة لتهيئة المكان والزمان لاحتضان هذه الاحتفالية. وتأتي إقامة مثل هذه الفعالية ترجمة لتوجهات وزارة التعليم العالي في السلطنة، بغية التنقيب عن مواطن الإبداع لدى الطلاب، ليس فقط في مجال المسرح، وإنما في كافة المجالات العلمية، وخاصة مجال الإعلام، حيث كللت جهود المسرحيين المشاركين بالمتابعة الإعلامية المكثفة من قبل المركز الإعلامي الطلابي.
بالرغم من أن هذه الاحتفالية المسرحية أبطالها من الطلبة والطالبات، إلا أنها تكاد تتقارب مع المهرجانات المسرحية المحترفة من حيث التنظيم والنسق العام..وخصوصا إذا علمنا بأن هناك جلسات نقدية عقب كل عرض، بالإضافة إلى الحلقة التدريبية التي أقيمت على هامش هذه الأيام.
وسوف نتناول في الحلقات (3-3) بالبحث والتحليل العروض الستة، وفي هذه الحلقة(1-3) سوف نتناول عرض مسرحية (هوية شتات) لكلية العلوم التطبيقية بنزوى، ومسرحية (شموع لا تنطفئ) لكلية العلوم التطبيقية بصلالة، وذلك حسب الجدولة الزمنية لهذه الأيام .
مسرحية (هوية شتات)
افتتح عرض مسرحية (هوية الشتات) بلوحة درامية تلخص حكاية العرض الذي سوف يقدمه ، والذي على ما يبدو أنه ضاع بين شتات الماضي والحاضر. وذلك من خلال مشهد يكثف الهوية الضائعة، وسط الشتات العالمي الذي أصبحت العولمة تحاصره بهدف تذويب الحدود الفاصلة بين الثقافات المختلفة، وذلك من خلال تجسيد معاناة الرجل الذي تنهش جسده الأشباح.
وبدت الشخصيات في مسرحية (هوية الشتات) مشتتة ومبهمة في بعض الأحيان، فهناك ترتيب رقمي للشخوص للدلالة عليها؛ الأول والثاني والثالث والرابع.. كما تم تجريد بعضها من صفاتها الإنسانية (الرجل ، الغريب)...وبالتالي أضاع المؤلف منذ البداية هوية الشخصيات في اللازمان واللامكان، حيث الجزيرة الخاوية، التي وجدت الشخصيات عليها بعد تحطم السفينة، برغم تقليدية الفكرة التي استهلكت في العديد من الأعمال السينمائية، إلا أن (النص العرض) حاول أن يستقرئ الواقع المعاصر بشيء من التساؤل المقلق، حول مصير عالمنا العربي الحالي.
برغم تضمن العرض العديد من الإشارات الفلسفية والإنسانية إزاء القضايا المصيرية، إلا أن تحويل الصراع الداخلي، الذي يدور في ذوات الشخصيات، إلى صراع خارجي مع القوى الشريرة (الأشباح)، قلل من مصداقية العمل الفني، وجعله يقترب من "مسرح الطفل"، والذي غالبا ما يحفل بوجود رموز تمثل الشر،التي نراها بعد ذلك تتراقص وتحاول حصار الأخيار، وكان يفضل أن يجعل ( المؤلف المخرج) الشخصيات تعيش المعاناة، بدلا من تجسيدها من خلال القوى الشريرة الخارجية.
ومن ناحية أخرى اتضح من خلال العرض المقدم، الميل نحو تجريد الشخوص من صفاتها الإنسانية من خلال الصراع القائم بين الخير والشر ...ويتضح ذلك من خلال حوار الشخصية الرابعة: " إني بشر مثلكم، أعطش فأشرب، أجوع فآكل، أتعب فأنام، أغضب فأقتل" (النص، ص4).
وهذا الميل نحو التجريد، جعلنا ندرك بأن الحياة على الجزيرة المجهولة التي يبحث الناس فيها عن الحرية المنشودة، أصبحت بهيمية حيث يسري فيها قانون الغاب؛ "البقاء للأقوى"... وينسحب ذلك على عالمنا المعاصر، الذي أصبح يضج بالصراعات الدامية، حيث نشهد في كل يوم انتشال الجثث والضحايا عبر حركات العنف والدموية، دون أن يحرك ذلك ساكنا في المجتمع الدولي...وهذا يجعل حقوق الإنسان ضائعة حتى في ظل المواثيق الدولية ومنظمات حماية حقوق الإنسان!!...لذا كان لابد من البحث عن لغة القوة والعنف كبديل للغة السلام!!! كما ورد في المقطع التالي: " لكي تستطيع العيش بسلام لابد أن تتظاهر بأنك تملك قوة غير عادية، حتى لا يتجرأ الآخرون عليك، ويظنون أن بك ضعفا وهوانا "(النص، ص4).
ومن المشاهد البارزة التي كثفت الفعل الدرامي، المشهد الذي يظهر فيه الرجل الذي تطارده الأشباح وتحاول تعذيبه، دون أن يحاول الدفاع عن نفسه!!...لذا نراه في حالة رضوخ تام للواقع المرير الذي يعايشه بمرارة وعذاب!!... ويستمر ذلك المشهد بغية رسم الأبعاد السلبية للواقع المعاصر إزاء المواقف الإنسانية بشيء من التشاؤم المفرط..وخاصة عندما نرى الأشباح تحاصر الرجل الضعيف بوحشية، وقد نتساءل لماذا هذه النظرة القاتمة إزاء واقعنا المعاصر وهذا الاستسلام ، الذي أصر المخرج أن يجعلنا نبحر في محيط لجه الواسع؟
ومن ناحية أخرى بدت (السينوجرافيا العامة) للعرض متضامنة مع مفردات الحدث الدرامي، من خلال رسم واقعية المصير المؤلم لشخوصه، والذين برغم وجودهم في جزيرة نائية بعيدة عن المدنية، إلا أن أطلال الماضي باتت تحاصرهم...لذا حرص المخرج على تصوير أجواء الجزيرة من خلال المؤثرات الصوتية، التي ساعدت في تكثيف الحالة النفسية للشخوص، بالإضافة إلى الموسيقى العامة التي ركزت على المواقف الإنسانية الحاسمة .كما أضافت الأزياء المستخدمة في العرض لمسة فنية، وخاصة تلك الأزياء التي كانت ترتديها الأشباح عندما كانت تحاول حصار ضحيتها، وأكدت الملابس التي كان يرتديها الرجال- باستثناء الرجل الرابع- على انفصال الشخوص عن عالمهم الخارجي .
وعلى أي حال استطاعت السينوجرافيا العامة للعرض أن تتفاعل مع مضمون العمل، بصورة لا تخلو من الاحتراف في بعض مواطنها، وفي الوقت ذاته، كان ينقصها بعض التوجيه الفني في مواطن أخرى..
فضلا عن ذلك، استطاع الديكور أن يعكس واقع الشخصيات فيها، وأن يعبر عن مضامينه الفلسفية الرمزية، إلا أنه كان يفترض أن يبتعد عن استخدام "الديكور التقليدي" حتى يستطيع أن يعكس مضامين العمل المقدم بشىء من الشفافية، حيث كان ينبغي من المخرج أن يقلل من قطع الديكور الثابت(الجامد) لإعطاء الممثل فرصة في التعبير الحركي، حيث تميز العرض بوجود طاقات تمثيلية رائعة من خلال الكوكبة الطلابية المشاركة، مثل الطالب فيصل العوفي مؤلف ومخرج العمل، والطالب خميس أمبوسعيدي والطالب إبراهيم الشريقي وأحمد الغفيلي ..بالإضافة إلى بقية الطاقم التمثيلي والفني
مسرحية (شموع لا تنطفئ)
لعل من الأمور البديهية التي تشغل بال العاملين في مجالات الفنون، هي القضايا القومية، التي ركزت عليها معظم العروض المشاركة في الأيام المسرحية لكليات العلوم التطبيقية، خاصة تلك الموضوعات الأكثر شيوعا عبر وسائل الإعلام ...وأراد عرض مسرحية (شموع لا تنطفئ) أراد العرض أن يصور صراع "الشعب الفلسطيني" ضد المحتل، بغية البحث عن الحقيقة الضائعة التي طالما ضخمتها أو قزمتها وسائل الإعلام عند رصد حدث ما.
ومنذ اللحظات الأولى غلب على العرض الطابع "التراجيدي" الذي يبكي على أطلال: (أطفاله، شيوخه، شبابه، أراضيه، أشجار الزيتون...) ..مما أوجد شكلا مسرحيا اقترب من "المسرح الملحمي" الموجوع بالهم السياسي، والذي في الأغلب يسعى إلى صدم المشاهد بحقيقة ما يدور حوله بشيء من الشفافية، فالمسرح ليس وسيلة للتسلية والترفيه فحسب، وإنما هو وسيلة لتغيير..بالرغم أن الموضوع المطروح ليس بجديد، إلا أن إعادة تقديمه بات أمرا مشروعا. ومن ناحية أخرى، يفترض أن يتضمن العرض لحظات التنفيس عن المشاهد، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من تأثير "التراجيديا"، التي حولت العرض إلى فصول خريفية قاتمة اللون محزنة.
ومنذ اللحظات الأولى، آثر مخرج العمل على اختراق صالة المتفرجين، عن طريق تشييع "الجنازة" التي كان يحملها أبطال العرض، لتكون الشرارة الأولى لانطلاقة الأحداث الدرامية المأساوية، وهكذا استمرت الأحداث لنجدها تتنقل مع شخوص العرض من الواقعية إلى الرمزية من خلال "الرؤية البصرية" التي رسمتها الشخصيات والأحداث بغية تصوير معاناة شعب يئن تحت نير الاحتلال، دون الإشارة إلى الصراعات الداخلية التي تعوق عملية السلام والوحدة الوطنية، الأمر الذي كان سيميز هذا العمل عن باقي الأعمال التي استعرضت نفس القضية من زاوية واحدة.
وفي الوقت ذاته، نجد أن "الديكور" خدم الفكرة العامة للعرض، والذي في أغلب مشاهده بدا متشحا بالسواد والبياض..ليصور نوعا من التضاد بين الخير والشر، السلام والعنف... بالرغم من جمالية الديكور، إلا أنه شكل عبئا إضافيا على الخشبة، وذلك بفعل حجمه الذي ضيق المساحة المحددة للأداء التمثيلي التي بدت ضيقة ومكتظة بالعديد من الأشياء....وربما هذه الإشكالية التي وقع فيها أكثر من عرض، وكان يفضل أن تتبنى العروض المقدمة الديكور "الأخف وزنا"، حتى تكون هناك مساحة كافية تمكن الممثلين من الحركة بحرية أكبر..فعلى سبيل المثال في هذا العرض كان لا داعي لتجسيد المنازل القديمة بهذا الحجم في عمق المسرح...وكان يمكن الاكتفاء بالأجزاء التي تظهر في المقدمة التي وضعت الشموع عليها، التي أضفت جمالية على أرواح الموتى، لتظل تحلم بيوم يسود فيها الأمن والاستقرار.
كما تميز هذا العرض بالاشتغال الواضح على الأزياء التي كانت ترتديها الشخصيات المحورية، بالإضافة إلى الأزياء والماكياج للكومبارس الذي قدم رؤية جمالية متشحة بلون السواد. كما ساهمت الإضاءة في تحديد الملامح العامة للعمل الدرامي المقدم، من خلال التركيز على المواقف التي تبرز المشاهد الأكثر دموية، والبكاء على أطلال الحاضر والماضي. جدير بالذكر أن هذا العمل من بطولة الطالب عبيد الرواحي ومحمود الهاشمي وسيف الشحري .. بالإضافة إلى بقية الطاقم التمثيلي المشارك في العمل.
عرض مسرحية ( بعدما نموت)
قدمت جماعة المسرح بكلية العلوم التطبيقية بعبري عرضا مسرحيا بعنوان ( بعدما نموت). والذي يتقارب من حيث الموضوع مع العرض المسرحي( شموع لا تنطفئ)، حيث تناول العرضان قضية (الشعب الفلسطيني) الآنية التي تظهر معاناة المدنيين من الشعب، وهم يدفعون ثمن التصفيات السياسية التي مرت بها الأراضي المحتلة منذ عام 1948م.
بالطبع مع اختلاف طريقة الطرح والمعالجة الدرامية في عرض مسرحية ( بعدما نموت)، والذي شهد مجهودا ضخما بغية رفع الإيقاع العام للعرض، بالرغم من مأساوية الحدث وتقاربه من الواقع، إلا أن الشخصيات بدت نمطية فهناك: (الصحفي ،الضابط، المرأة ،الجثث..). وسعى هذا العرض إلى تضخيم معاناة الإنسان في الأراضي المحتلة، سواء أكان طفلا أم شابا أم عجوزا في ظل القصف والحرب والدخان والدمار والغاز الخانق.
وهناك عدة أوجه للمعاناة الإنسانية في هذه المسرحية، فهناك ( رجل عجوز حطم منزله بغية انتزاع أرضه...وهناك أم ثكلى فقدت أطفالها ...وهناك أطفال مشردون ...)، وجميع تلك الصور رسمت الوجع المزمن بفعل العدو المحتل، و أطرت تلك المواقف من خلال "عين كاميرا الصحفي" الذي أصر مؤلف النص على زرعه في ثنايا العمل المقدم، برغم أنه ظهر في بداية المسرحية ولم يظهر لاحقا إلا في خاتمة المسرحية.
جسد الديكور قصة حارة شعبية تتعرض للقصف والدمار من قبل العدو، ولقد وظف ذلك الديكور في الدخول والخروج من خشبة المسرح..وبشكل عام يمكن القول إن "السينوجرافيا العامة" ساعدت في ترجمة مفردات النص، وصورت لنا أحد الأحياء في الأراضي المحتلة، وهم يعيشون وسط النيران والقصف البري والجوي واستخدام الغاز الخانق ضدهم.
كما قامت المؤثرات الموسيقية والصوتية بدور أساسي في الإيحاء بضبابية الموقف الدرامي، الأمر الذي جعل الممثل يندمج في دوره، وفي نفس الوقت، جعل هذا المشاهد يتعاطف مع أبطال العرض...حيث تم توظيف المؤثرات الصوتية في الإيحاء بصوت الطائرات والقصف الجوي ، وساعدت الإضاءة في تجسيد تلك المشهدية خاصة في لحظات القصف والدموية .
كما توظيف "خيال الظل" في رصد صور أخرى للمعاناة .. وهذا ما جعل المشاهد يشعر بشيء من التوتر في كثير من المواقف التي تحتاج إلى استقراء التاريخ، وتحديد من هو الجاني؟.. خاصة في ظل تزعزع الثقة بالآخر، وعدم توحد المواقف العربية على المستوى الإقليمي والدولي من جانب، وعدم تسوية الصراعات الداخلية في ظل الدولة الواحدة من جانب آخر.
ومن ناحية أخرى، برزت في هذا العرض طاقات تمثيلية شابة أثبتت مقدرتها على تلمس أبعاد النص الخفية، مما جعل الصالة تتعاطف وتتفاعل معها..ومن هذه الطاقات الطالب حمد القصابي الذي استطاع أن يقدم دوره بمصداقية ووضوح ..كما تميز الطالب إبراهيم البلوشي في دور الضابط جيش العدو، كما قام الطالب محمد الرواحي بدور العجوز ، واستطاع الطالب عثمان المعمري أن يكون أقرب إلى "رجل المسرح" الذي جمع بين الإخراج والتمثيل، إلى جانب مشاركة نخبة من الشباب من جماعة المسرح بالكلية تستحق الإشادة .
عرض مسرحية (أسطورة زجاجة)
تكاملا مع بقية العروض المقدمة خلال الأيام المسرحية، قدمت كلية العلوم التطبيقية بالرستاق عرضا مسرحيا بعنوان (أسطورة زجاجة)، والذي جعلنا نعايش رحلة البحث عن المجهول عبر متاهات الخريطة الضائعة، بالرغم من ذلك فالرحلة استمرت بغية العثور على الزجاجة، إلى أننا نكتشف في النهاية بأنها مجرد وهم لا أكثر!!..
ولخصت "اللوحة الافتتاحية" فكرة "الزجاجة الأسطورة"، وذلك من خلال تضخيم أهميتها من خلال توظيف جميع عناصر العرض كالمؤثرات الصوتية والإضاءة والأداء الحركي، بالرغم من جمالية تلك اللوحة، إلا أنها جعلت عنصر التشويق يختفي لدى المشاهد.
ومن ناحية أخرى، برغم بساطة القصة التي تتحدث عن لغز الزجاجة، إلا أن العرض أصر أن يكون محورا للحدث الرئيسي الذي يحرك الشخصيات...كما قامت الشخصيتان المحوريتان بتضخيم مضمون هذه الزجاجة، وكان هناك نوعا من التكامل في الشخصيتين الرئيسيتين، ويمكن أن نستدل على ذلك من خلال الأداء الحركي والتمثيلي، كما حمل "تبادل القبعات" دلالة رمزية توحي بأن الشخصيتين تواجهان نفس المصير المنتظر!.
كما أن هناك نوعا من التضاد الجدلي برز من خلال حوار الشخصيات، بغية التنقيب في وصف التداخل بين الزمان والمكان ودواخل الشخصيات، وهذا ما اتضح من المقطع التالي:
"الصيف والشتاء..الربيع والخريف..الليل والنهار ..الشمس والقمر ..بارد دافئ" (النص، ص 5-6). وهذا التضاد الجدلي بين مفردات العرض أوجد نوعا من "الهرموني" في سرد تفاصيل الحدث الدرامي .
ولقد تميز هذا العرض بالاشتغال الواضح على "الرؤية البصرية الجمالية " التي ترجمت النص بلمسات فنية إبداعية من إنتاج الطلبة، حيث استطاع مصمم الديكور من تصوير مشاهد مستوحاة من بيئة النص، التي تتقارب مع عالم الأسطورة والحكاية الشعبية المتأصلة في الذاكرة الجماعية، حيث نجد هناك مناظر تمثل: (الغابة، الصخور، الرمال، الجبال، خيوط العنكبوت ،الجمجمة ..). كما خدمت "الأزياء" مضمون العمل، وتناغمت الموسيقى والمؤثرات الصوتية مع جمالية العرض من خلال تسليط الضوء على المواقف الدرامية الحادة، بغية الإيحاء بوحشة المكان والزمان وغربة الشخصيات الذاتية ازاء ما يحيط بهم من أحداث.
ويمكننا فصل الأداء التمثيلي في هذا العرض عن باقي مكونات "السينوجرافيا" تحديدا، والذي تميز بالاشتغال الواضح على "الرؤية البصرية" ، في حين جاء أداء الممثلين في المرتبة الثانية، مما أدى إلى هبوط إيقاع العمل المقدم نتيجة هذا التباين. وختاما، يمكن القول إن العرض تميز بالقدرة على الجمع بين شخصيتين متماثلتين، وذلك من خلال أداء الطالب خالد الحراصي ومازن الميمني اللذين قاما بدور البطولة، كما شارك في التمثيل كل من رشاد الجامودي ومحمد الشرجي، بالإضافة إلى مشاركة الوجه النسائي الوحيد الطالبة مها الرئيسي.
عرض مسرحية (ملك الدنيا)
يعد المسرح وسيلة مؤثرة لإحداث التغيير السياسي والاجتماعي، كما يقوم بدور مهم في تأطير القضايا التي تعتمل في رحم المجتمع. بالرغم من مدرسية الأداء التي رافقت عرض مسرحية (ملك الدنيا ) لكلية العلوم التطبيقية بصور، إلا أن النص لمؤلفه الدكتور صالح سعد.
فقد تضمن العديد من الإشارات ذات الدلالات والأبعاد الفلسفية الإنسانية التي تجاوزت آفاق المسرح المدرسي. ولقد جمع العرض بين النقيضين الراعية(دنيا) والملك في مدينة لم يبق فيها سوى الإطلال، حيث جردت شخصية الملك من السلطة وأصبحت الأوهام تحاصره عن الماضي الجميل. لذا نرى الملك لا يتردد عندما تقدم الراعية (دنيا) له، إكليلا من الزهور ليصبح تاجا له!
كما استطاع العرض أن يقدم مفارقة ساخرة في الجمع بين الراعية التي تقود قطيع الماشية وبين الملك الذي يقود الأمة! ...حيث يقول الملك في أحد مقاطع حديثه: " هذه الأغنام رعيتي هم ملكي أفعل بهم ما أشاء)...وفي مقطع آخر : " ووقف بينهم كالجبل الشامخ ممسكا بعصاه...وأشار لهم جهة اليمين، فتحركوا طائعين ثم أشار إلى جهة اليسار فتحركوا طائعين(النص، ص38). كما نلمح حس التمرد من خلال تعليق (دنيا) قائلة: " إلا كبش صغير ..كان قد سرح بعيدا عن القطيع...الملك : لعله رأى في نفسه القدرة أن يكون زعيم هذا القطيع(النص، ص 33).
وهناك أشارات تفيد إلى أن الملك كانت تحيط به البطانة الفاسدة، التي تعزله عن بقية الناس، كما أنها لا تردد في رفع "التقارير" كاذبة عن أحوال الرعية، مما يترتب عليه إصدار قرارات غير عادلة تجاههم، كما هو الحال في المقطع التالي:
" الملك : التقارير كلها كانت تقول إن هناك الكثير من المشاغبين يتآمرون ضدي...دنيا : لا تصدق التقارير " من أولئك عفاريت أم جان؟...وترد دنيا قائلة : لا ...يقول أبي أنها أرواح الآلاف من المظلومين الذين قتلوا ظلما ورحلوا عن عالمنا الأرض.." (النص، ص27)
بالرغم من أن الملك وجد نفسه وحيدا في العراء بلا مملكة أو قصور، إلا أنه يصر على أن يعيش على أصداء الماضي الذي يمجده، حتى ولو كان ذلك التمجيد صادر عن الأشباح!..فالملك في مملكته المزعومة كان تحيط به البطانة الفاسدة التي تمجده، وتفرض عليه حصارا أيديولوجيا، بات يشعره بأن الجميع يتآمر ضده..لهذا لا يتردد في قبول عبارات الثناء التي تصدر من شبح الوزير: " الكل يسبح بحمدك وبخيرك ! (النص، ص23) " . إلى جانب ذلك، فأنه برغم انهيار المدينة التي يحكمها الملك، إلا أنه يؤكد انتماءه لسلالة الملكية التي تميزه عن باقي الرعية: "الملك: لا شيء سيتغير.. سيبقى الملوك ملوكا.. دنيا : تقصد السادة .. الملك : والرعية رعية!"( النص، ص38).
ولقد افتتح العرض "بمشهدية" حاولت تبسيط الفوارق الطبقية بين الملك والرعية، إلا أن افتتاح العرض بالرواية السردية التي تحكي موضوع المسرحية قلل من تأثير الحدث الدرامي...وكان يفترض أن يتم تحويل تلك الكلمات إلى حوار درامي، يفسر ما حدث للملك الذي ضاعت مملكته بسبب الدمار الذي حل بها.
بالرغم من "المشهدية" البسيطة التي رسمتها الرؤية البصرية للعرض، إلا أن اختفاء "آثار الدمار" الذي كان يتكشف من خلال الحوار السردي، في حين أن مكونات الديكور أنكرتها.
واكتفى المخرج بتقديم ديكور مسطح أو ثابت، لا يعكس الدمار الذي لحق المدينة قبل بدء الزمن الفعلي للمسرحية. ومن ناحية أخرى، هناك اشتغال واضح على بناء الشخصيات، حيث تم تجسيد شبح الوزير بطريقة ضبابية توحي بأنه مجرد شبح.. وبالرغم من ذلك، فهو لا يزال يحتفظ بجشعه وطمعه .
عكست "الأزياء" الإطار العام مع مفردات العرض، فملابس الملك بدت بسيطة، لتجردها من السلطة والحكم..بينما شبح الوزير والزوجة احتفظا بعظمتهما الملكية...كما كانت هناك لمسات فنية من خلال استخدام "الماكياج" في رسم شخصية الملك، حيث بدا الزمن متسارعا عندما تحول الطالب سالم الرحبي من شاب يافع إلى رجل في الخمسينيات من العمر تقريبا.. بالإضافة إلى بعض الزيادات الأخرى التي ساهمت في تحديد معالم الشخوص حسب الدور التمثيلي المسنود إليها.
كما أن هناك اشتغالا واضحا على "خيال الظل" في أكثر من مقطع درامي، حيث استخدمت "خيمة الراعية دنيا" لتكون موضعا للإسقاط الظلي، حيث تم استغلال مساحات الضوء والظلال حسب طبيعة الحدث الدرامي..فتارة يتم تصوير هتاف الشعب للملك، حيث نرى لوحة "خيال الظل" وتجسيد الأيدي التي تناصر الملك..وتارة أخرى يتم تصوير مشاهد راقصة بواسطة "خيال الظل" الذي لا علاقة لها بموضوع المسرحية ..وهذا أضعف الدلالة "السينوطيقية" التي يفترض أن يراعيها العرض.
بالنسبة للأداء التمثيلي تميز الطالب سالم الرحبي في دور الملك بتوظيف أدوات الممثل مثل طبقات الصوت، الاداء الحركي، إلى جانب تميز الطالبة سناء الهدابي في دور (دنيا) ..ومحمد الخليلي في دور الوزير وأميرة البلوشي في دور شبح الملكة...بالإضافة إلى بقية الكادر التمثيلي المشارك الذي تمتع بروح الجماعة في إخراج العمل.
عرض مسرحية ( وحوش المدينة)
المتابع للعروض يجد أن هناك خطوطا مشتركة تجمع الموضوعات المعالجة دراميا في الأيام المسرحية لكليات العلوم التطبيقية، حيث يمكن تقسيمها إما عروضا ذات بعد إنساني بحت، وإما عروضا ذات بعد ديني أو سياسي ...وفي عرض مسرحية (وحوش المدينة) لكلية العلوم التطبيقية بصحار، كان هناك محور أساسي يرتكز عليه الصراع بين الكاهن الذي يمثل رمزا للسلطة الدينية وبين الناس... مع إيضاح ازدواجية الطبيعة الإنسانية وتناقضها من خلال الشخصيات الموجودة. ففي هذه المسرحية، نجد هناك تناقضا واضحا، نتيجة اختفاء المآرب الشريرة وراء قناع القدسية، ليكون الكاهن بذلك السبب في وقوع البلاء!
ومن زاوية أخرى، نكتشف بأن الكاهن ليس شخصية خرافية أو أسطورية، حيث من السهل أن نجد له نسخا في حياتنا اليومية، من خلال ما نسمع من تصريحات قادة الرأي والسياسيين في العالم الذين يبيعون الوهم للناس، ولكن سرعان ما يتضح بأنهم مجرد أبواق خاوية تردد شعارات كاذبة!!... ويمكن أن نلاحظ ذلك عندما ادعى الكاهن بأنه يمثل "القانون" لذا فهو يرتكب الجرائم البشعة وراء ذلك الستار دون أن يحاسبه أحد !..وذلك التناقض لدى بطل العرض قادنا إلى الحوار الجدلي بينه وبين الشخصيات التي تمردت عليه، وهذا بدوره أوجد صراعا فكريا وفعليا، جعلنا نعيش معركة حقيقية يتنافس أبطالها لنيل النصر مهما كلفهم ذلك!..
كما ندرك خطورة الحرب النفسية في توليد الوهم في عقول الناس، حيث لا توجد وحوش حيوانية، ولكن هناك نزعات إنسانية حولت الناس وحوشا آدمية، ويمكن أن نستدل ذلك من خلال حوار الشخصيات: "بندق: الحقيقة التي لا يريد أن يصدقها أحد...أني رأيت وحوشا في كل المدينة..في المجلس وحوش ..وفي المعبد وحوش....(النص،ص 7).
وانطلاقا من تلك الخلفية التي جسدت الصراع بين القوى الشريرة ورموز الخير، جاءت (السينوغرافيا) لترسم لنا ملحمة ذلك الصراع، من خلال مد خشبة المسرح إلى الصفوف الأمامية للجمهور، حيث أدخلت الخيول أمام خشبة المسرح، في حين استطاع العرض أن يربط بين الصراع الدائر على الخشبة، وبين المعركة الحقيقية التي تدور أحداثها الحية وسط تصفيق وهتاف الجماهير. مما جعل الجميع يستمتع بمشاهدة العرض وكأننا أمام معركة حقيقية، ولكنه هذه المرة على خشبة المسرح، وهناك عناصر عديدة ساعدت على تعزيز واقعية العرض منها: (فرش أرض المعركة بالرمال الحقيقية...أثارة النقع أثناء المعركة ..صوت العصي...).
وتكاملا بين صالة الجمهور التي صورت أحداث المعركة التي دارت بين أنصار الكاهن وبين أعدائه، فإن المخرج لم يغفل أيضا خشبة المسرح، حيث معبد الكاهن الذي كان يضج بالزائرين الذين يعظمونه وهم يحملون الشمعدان، بينما يتظاهر هو بأنه الرب وهو رجل القانون الأوحد، لذا يجب أن تنحني الرؤوس له تحية وإجلالا!!..كما تم توظيف "الديكور" بطريقة تجسد ذلك التضخيم لشخص الكاهن الذي ظهر في مستوى أعلى من الناس، ولعبت "الإضاءة" دورا مهما في الإيحاء بقداسة المكان الذي يتواجد الكاهن فيه. بينما قامت "المؤثرات الصوتية والموسيقية" بالسيطرة على الإيقاع العام للعرض، و تناغمت مع التحولات التي شهدها أبطاله.
ولا يفوتنا الإشارة إلى أن تصميم "الأزياء المسرحية" جاء ليتناسب مع الموضوع المقدم، فبرغم أنه لا توجد إشارة إلى البعدين الزماني أو المكاني للأحداث، ألا أن الملابس والإكسسوارات المستخدمة أوحت بتزامن الحدث مع الشخوص ، كما ساعد "الماكياج " في رسم الملامح العامة للشخوص...خصوصا الكاهن واتباعه .
أما على مستوى "الأداء الحركي والاستعراضي" للشخصيات، فقد تألق أبطال العرض تركي البلوشي وأحمد العويني وأحمد البريكي ونوح المغيزوي و بقية الطاقم التمثيلي الذي بذل قصارى جهده لإنجاح العمل المقدم... وذلك من خلال التمثيل على الخشبة أو استعراض الخيول في المعركة، التي تجسد الصراع الدائر بين أنصار الكاهن والمتمردين مع استخدام العصي كأداة للدفاع وأحيانا أخرى لرفع إيقاع العمل ...وهذا جعل الجمهور يتفاعل مع العرض برمته شكلا ومضمونا.
|