يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



قراءات نقدية

 قراءات نقدية في المسرح 2/5 : أيام صحار المسرحية تتوهج بمواهب الشباب 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 عزة القصابي/مسقط

 

لناقدة المسرحية عزّة القصابي

 

تفخر كلية العلوم التطبيقية في صحار بحصادها الثاني خلال "أيام صحار المسرحية"، بعد أن عايشت العام المنصرم أولى بذور هذه التظاهرة الفنية، وذلك بغية تأسيس ثقافة مسرحية في المؤسسات التربوية والتعليمية، والتي تعتبر بؤرة تنويرية لدى الأجيال المتعاقبة ..الأمر الذي من شأنه أن يعرف الناس بدور المسرح الرائد في الارتقاء بالحضارات الإنسانية، فهو فن وعلم وأدب لا يختلف عن باقي العلوم.

وفي السابع من شهر فبراير عام 2009م، احتفلت كلية العلوم التطبيقية بأيام صحار المسرحية الثانية من خلال تقديم عروض مسرحية من نتاجات الطلبة خلال خمس أيام متتالية.  ففي اليوم الأول قدم الطلبة عرض مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) وهو من تأليف الكاتب الشهير محي الدين ومن إعداد وإخراج أحمد العجمي، و في اليوم الثاني قدمت مسرحية (زرياب) المقتبسة عن مسرحية (عفوا مموزين) للكاتب أحمد اسماعيل من إعداد وإخراج حمد الزدجالي، وفي اليوم الثالث شاهدنا عرض مسرحية (وحوش المدينة) للمؤلف درويش الأسيوطي من إعداد وإخراج الطالب تركي البلوشي، ثم  تقديم عرض مسرحية (بِلّها واشرب مايْها) للكاتب ناصر العيسائي ومن إخراج مؤيد العيسائي...وأخيراً، سُعدنا بمشاهدة عرض مسرحية (زهرة الحكايا) من تأليف عباس الحايك وإخراج إسراء العجمي.

وفي الأسطر القادمة نقدم قراءة نقدية سريعة لعروض هذه الأيام التي أبهجت الجمهور الطلابي والمتخصصين والجمهور العام على حد سواء.

 

·       صراخ الصمت الأخرس

أولاً : عرض مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) من تأليف محي الدين، وإعداد وإخراج الطالب أحمد العجمي. ولكي نتحدث عن هذا العرض سوف ننطلق أولاً من النص الذي يعتبر الوثيقة الأساسية لأي عمل درامي. ويمكن اعتبار نص مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) نصاً مركباً يحمل العديد من الدلالات والإيحاءات الفلسفية والفكرية التي  يصعب اختراقها بسهولة، وهذا يجعل من يريد أن يُخرجه يتوقف عنده ملياً، بغية النبش والغوص في ثنايا مضامينه الخفية والظاهرة معا.

وانطلاقا من ذلك، نُدرك مدى الجهد الذي قد يتطلبه إعداد مثل هذا العمل، والذي يتكىء على المخرج بالدرجة الأولي، ويجعلنا في نفس الوقت نتساءل ماذا لو قُدِّم هذا العمل من قبل محترفين في مجال المسرح؟ ...سنجد هناك ضرورة  إلى وجود  ما يسمى بـ(الدراماتورج) أي الشخص الذي يقوم بالبحث في مضامين العمل الخفية ويساعد المخرج في وضع تصور للعرض؟ .. ونظراً لتباين مستويات النص، فإنه يستدعي ضرورة الاستعانة بمخرج يستطيع أن يمسك بنقاط القوة فيه، الأمر الذي كان سيقلل من رتابة الحوارات الفلسفية الطويلة.

ونستنتج مما سبق، بأننا أمام نَصٍ مسرحيٍ يصعب اختراق دهاليزه الغائرة في أعماق شخوصه..لذا كان التحدي كبيراً أمام "فريق العمل الطلابي" عند الشروع في تقديم هذا العمل!.. ولكن  على ما يبدو أنهم  قَبِلوا الرهان، فكان إخراج مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) !.

ومنذ الوهلة الأولى للعرض، وضع المخرج نصب عينيه، ضرورة تلخيص أسباب المعاناة التي يعيشها بطلا العرض، وذلك عن طريق لوحة "خيال الظل" والتي اعتمد  فيها على الأداء الحركي الصامت بغية تجسيد "جريمة القتل" التي شكلت هاجساً مزعجاً لدى شخوص العرض. وانطلاقاً، من تلك اللوحة، أصبح المشاهد يعي حجم الوحشية الإنسانية التي تتجاهل حقوق الإنسان، بغية إسقاط ذلك على الحاضر الراهن، والذي أصبح مترهلاً ومثقلاً بالكثير من القضايا، نتيجة انتهاك حقوق الناس المدنية، وتعرضهم للضرب والقتل والإهانة!..والمتابع للعرض يجده يسير في خطين متوازيين، الأول يبدو بسيطا من خلال قصة رجلين، أحيانا يفقدان  الاتصال بالعالم الخارجي وأحيانا أخرى ينجحان في الاتصال به، وفي الوقت ذاته، فإنهما لا يعرفان لماذا هما موجودان في نفس المكان!

والمستوى الآخر، يتمثل في فهم كُنْهُ الحوارات السردية، والتي بالرغم من ارتباطها بمعاناة الناس، إلاّ أنها تتضمن العديد من الأبعاد الإيديولوجية التي يصعب تفسيرها للمشاهد العادي، والذي جاء ليستمتع بمشاهدة عرض يفترض أن يراعي كافة شرائح الجمهور!... إلى جانب ذلك، فإن طول مساحة تلك الحوارات، جعل الجمهور غير قادر على التواصل مع المنصة، خاصة وأن هناك مشكلة في تقنية الصوت جعلته يرتفع وينخفض، وهذا قلّل من احتمالية وصول رسالة العرض، بالإضافة إلى  غموض بعض مفردات النص الدرامي .

أما فيما يتعلق "بالرؤية الجمالية" للعرض المسرحي، فقد بذل المخرج مجهوداً  إضافياً بغية الاقتراب من موضوع المسرحية المتناهي الأبعاد، محاولاً بذلك "الصراخ" من خلال  عناصر (السينوغرافيا) التي تمثلت في "الديكور" المستخدم في تجسيد الحدث،  والذي ابتعد عن الواقعية ومال نحو "التجريد"، إلاّ أنه وقع في مطب تداخل المدارس الفنية عند تنفيذه.

 فبرغم أن أحداث المسرحية دارت معظمها على الرصيف، حيث قصاصات الجرائد  المتناثرة هنا وهناك...إلاّ اللوحة التي رمز بها إلى البيت لم يكن لها داعٍ، ذلك لأنها شجبت "الفضاء المسرحي" الذي كان من الممكن استغلال مساحاته بشكل واسع وجميل في التعبير والحركة، كما أن وجود خلل في تقنية الإضاءة والمؤثرات جعل إيقاع العمل ضعيفاً.

تميز الفنان تركي البلوشي برشاقة الحركة على الخشبة، وهو خامة جيدة يمكن الارتقاء بها مستقبلاً، مع ضرورة الابتعاد عن التشنج والصراخ، وتسخير أدوات الممثل الإبداعية وطاقاته الداخلية، بالإضافة إلى ضرورة التركيز على الوجه، على اعتبار أنه  أداة تعبيرية مهمة لتوصيل رسالة العرض .

 

·       زرياب

ثانيا : عرض مسرحية (زرياب) المقتبسة من مسرحية (عفواً مموزين) للكاتب  أحمد إسماعيل  إعداد وإخراج حمد البلوشي ... هو عرض مسرحي يجعل من التجريب والموهبة أهم أبجدياته الأساسية، حيث كنا على موعد مع  تجربة الطلبة المشاركين بقيادة مخرج العمل حمد البلوشي.  ومما لا شك فيه، أن  الطلبة في هذا العرض، غامروا عندما حاولوا تكسير "بنية النص الدرامي"، بهدف إضافة نص آخر مرتجل، ومن هنا كانت انطلاقة فكرة  عرض مسرحية (زرياب) .

إن النظرة الأولى للعرض،  تشعرنا  بأن ما سيقدم هو إعداد للنص الأصلي (عفواً ممو زيين) للكاتب السوري أحمد إسماعيل، ولكن بعد المتابعة، يتضح  بأن معدي النص قاموا  بقلب   موازينه وتغيير الهدف العام له...  الأمر الذي ساعد على تجزئة العمل، وكان يفترض أن يقدم ضمن الوحدة العامة للعرض، علماً بأن هذا العرض يتقارب مع مسرحية  (ست شخصيات تبحث عن مؤلف)  للكاتب الإيطالي (لويجي بيرانديلو)، من حيث الفكرة العامة.

ومن جانب آخر،  فقد وقع منفذو العمل في مغالطة، عندما جعلوا هناك فاصلاً زمنياً بين المشهد الأول والثاني...وكأن المشهد الأول عبارة عن (اسكتش) وانتهى!.. لتبدأ مسرحية جديدة منفصلة بعد حوالي ربع الساعة من العرض الأول، حيث استخدمت "الشاشة التليفزيونية" على جانبي المسرح في إعلان أسماء المشاركين في هذا المشهد، وكأننا بذلك سنشاهد عرضاً جديداً آخر! ...وكان الأفضل من المخرج أن يتفادى ذلك الفاصل الطويل، ويستعين بالديكور "التجريدي" البسيط الذي يَسهُل استعماله ونقله على الخشبة، دون أن يستغرق ذلك وقتاً طويلاً...في حين أن إظلام الخشبة كسر حدّة المتعة الفنية التي يمكن الحصول عليها لو قُدّم كعرض متكامل دون فواصل.

أما إذا انتقلنا إلى "تحليل مضمون" المشهد المضاف، فإنه ستواجهنا قضية تغيير الموضوع، وهذا جعل المشاهد يظن بأنه سوف يتابع عرضين منفصلين ،بالرغم من "القفلة الأخيرة" التي عادت بنا إلى المشهد الأول.. كما أن رسالة العرض لم تتضح وخاصة من خلال المشهد الثاني، حيث يتضح للوهلة الأولى  بأن  العرض سوف يسلط الضوء على جانب معين من حياة المطرب الأندلسي (زرياب) الذي رصدت حياته كتب التاريخ، حيث يُعد (زرياب) فنان العود الأول بعدما أضاف الوتر الخامس للعود الشرقي..ولكن بعد متابعتنا للأحداث لم نستطع أن نربط بين شخصية (زرياب) المعروفة وبين الشخصية الظاهرة في العمل، حيث لم يكن هناك أي رابط سوى استعارة اسم (زرياب)  فقط! . كما أن الفكرة الرئيسية للمشهد بدت مبهمة!... وذلك نتيجة الحوار السردي الطويل عندما استرسل (زرياب) في الحديث عن أطلالِهِ الماضية، و لم يتضح للمشاهد ما هو الموضوع الذي يريد العرض أن يطرحه؟... فكما هو معروف بأنه ليست كل تفاصيل الحياة، تصلح بأن تقدم على الركح، ولكن لابد من انتقاء بعض المواقف الفنية المؤثرة  على النظارة.

بالرغم من ذلك التباين المشهدي وغموض الموضوع إلى حدٍ مّا، إلاّ أن  المخرج حمد البلوشي استطاع أن يكسب الرهان، من خلال  اللعب  بجدارة  على أوتار  " الرؤية البصرية والجمالية" للعرض المقدم. ففي المشهد الأول، يمكن أن نستدل على مفردات الموضوع من خلال الصالة التي كان يتدرب الممثلون عليها، حيث الملابس المعلقة والإكسسوارات الأخرى التي ترتبط بالموضوع .. وفي المشهد الثاني ظهرت "جمالية العرض" من خلال اللوحة التي زرعت في وسط خشبة المسرح، والتي استعانت بالكورس بطريقة جمالية، ففي أحد المقاطع كانت رؤوس (الكورال أو الكورس) تتخللها، بغية صنع "فرجة مسرحية" داخل العرض بطريقة فنية، بالإضافة إلى دخول وخروج الممثلين منها وإليها، حسب تفاعل البطل مع الموقف الدرامي المقدم.

كما تم توظيف  (الكورال)  كمؤثر صوتي ضمن تلك اللوحة في أكثر من موقف درامي، منها على سبيل المثال وليس الحصر، عند إشعار المشاهد بتأثير الناس على شخصية (زرياب).. بالإضافة إلى سماع صوت "طنين" الذبابة التي اقتربت من زرياب، كما سمعنا صدى قطرات الماء ينبعث من خلال تلك اللوحة. إضافة إلى ذلك، عندما كان زرياب يسترجع ذكريات طفولته، شاهدنا تجسيد حواره مع أمه عن طريق "خيال الظل" عبر مفردات اللوحة أيضا. علاوة على ذلك، فإن(الكورال)  رمز إلى عناصر الشر في حياة (زرياب) من خلال الشخصيات الشريرة التي كانت تظهر في المستوى الأعلى من خشبة المسرح، وبالتحديد فوق الإطار العلوي  للوحة الرئيسية، وهي  ترتدي ملابس سوداء اللون ، للدلالة  على تأثيرها السلبي على نفسية (زرياب)، وهذا بدوره صنع "رؤية جمالية" جعلت المشاهد يستمتع بالفضاء المسرحي.

ومن ناحية أخرى، كان يُفترض بالمخرج أن يقلل من ازدحام  الخشبة بالديكور، وذلك عن طريق استحداث قطع إضافية خفيفة، يمكن تحريكها بسهولة، مع الاكتفاء باللوحة التي في الوسط، بغية إعطاء وهج جمالي ومؤثر في نفس الوقت، دون الحاجة إلى باقي مفردات العرض ... وهذا يجعل  هناك ضرورة ملحة تتطلب الاستغناء عن الحواشي الإضافية، خاصة وأنها تعزف على وتيرة واحدة، الأمر الذي من شأنه أن يعطي الممثل مساحة أكبر للحركة. إلى جانب ذلك، فقد زج بالشاشة السينمائية في العرض لاستعراض لقطة واحدة دون أن يعاد استخدامها مرة أخرى!

وفي هذا العرض جازف المخرج بمشاركة ممثلين يقفان لأول مرة على الخشبة، لذا لم يكن  بغريب أن تكون هناك حاجة إلى مزيد من التدريب على مستوى الأداء التعبيري والأداء الصوتي لهما، بغية الابتعاد عن الأداء المدرسي، حيث من الملاحظ بأن طبقات الصوت لدى الممثلين كانت على مستوى واحد ... الأمر الذي جعل إيقاع العرض يختل ويسير على نفس الوتيرة.

 

·       وحوش المدينة

ثالثا: عرض مسرحية "وحوش المدينة" ...تأليف درويش الأسيوطي ..إعداد وإخراج تركي البلوشي. إن المشاهدة الأولى لهذا العرض، جعلتنا نُدرك أن الإعداد لهذا العمل كان عن طريق تكثيف الحدث الدرامي، فبرغم أن  طبيعة الموضوع  تقوم على فكرة الصراع بين الخير والشر التي طالما استهلكت في الأعمال الدرامية، إلاّ أن العمل ركز على ازدواجية الطبيعة الإنسانية وتناقضاتها من خلال بعض النماذج البشرية. ففي هذه المسرحية، نجد أن هناك تناقضاً واضحاً، نتيجة اختفاء المآرب الشريرة وراء قناع القدسية، وذلك حينما  نصطدم بحقيقة شخصية الكاهن الذي يقدسه الناس، بينما هو السبب في وقوع البلاء!

ومن زاوية أخرى، نكتشف بأن الكاهن ليس شخصية خرافية أو أسطورية، حيث من السهل أن نجد له نسخاً في حياتنا اليومية، من خلال ما نسمع من تصريحات قادة الرأي والسياسيين في العالم الذين يبيعون الوهم للناس، ولكنه سرعان ما يتضح بأنها مجرد أبواق خاوية تردد شعارات كاذبة!!... ويمكن أن نلاحظ ذلك عندما ادّعى الكاهن بأنه يمثل "القانون" لذا فهو يرتكب الجرائم البشعة وراء ذلك الستار دون أن يحاسبه أحد !.. هذا التناقض لدى بطل العرض قادنا إلى الحوار الجدلي بينه وبين الشخصيات التي تمردت عليه، وهذا بدوره أوجد صراعاً فكرياً وفعلياً، جعلنا نعيش معركة حقيقية يتنافس أبطالها لنيل النصر مهما كلفهم ذلك!

وانطلاقا من تلك الخلفية التي جسدت الصراع بين القوى الشريرة ورموز الخير، جاءت (السينوغرافيا) لترسم لنا ملحمة ذلك الصراع، من خلال مد خشبة المسرح إلى الصفوف الأمامية للجمهور، حيث أدخلت الخيول عبر ممرات صالة المتفرجين. وفي الوقت ذاته، استطاع العرض أن يربط بين الصراع الدائر على الخشبة، وبين المعركة الحقيقية التي تدور أحداثها الحية أمام تصفيق وهتاف الجماهير، مما جعل الحضور يستمتع بمشاهدة  العرض وكأنه أمام فيلم سينمائي، ولكنه هذه المرة في المسرح، وهناك عناصر عديدة ساعدت على تعزيز واقعية العرض منها  فرش أرض المعركة بالرمال الحقيقية.

وتكاملاً بين صالة الجمهور والتي صورت أحداث المعركة التي دارت بين أنصار الكاهن وبين أعدائه، فإن المخرج لم يغفل أيضاً خشبة المسرح، حيث معبد الكاهن الذي كان يضج بالزائرين الذين يعظمونه وهم  يحملون الشمعدان، والذي كان يتظاهر بأنه الرب وأنه رجل القانون الأوحد، لذا يجب أن تنحني الرؤوس له تحية وإجلالاً!!..حيث تم توظيف "الديكور" بطريقة تجسد ذلك التضخيم لشخص الكاهن الذي  ظهر في مستوى أعلى من الناس ..كما لعبت "الإضاءة" دوراً مهماً في الإيحاء بقداسة المكان الذي يتواجد الكاهن فيه، والذي عزز تلك الرؤية البصرية "المؤثرات الصوتية والموسيقية" التي سيطرت على الإيقاع العام للعرض، كما تناغمت مع التحولات التي شهدها أبطاله.

ولا يفوتنا الإشارة إلى أن تصميم "الأزياء المسرحية" جاء ليتناسب مع الموضوع المقدم، فبرغم أنه لا توجد إشارة إلى البعدين الزماني أو المكاني للأحداث، إلاّ أن الملابس والإكسسوارات المستخدمة أوحت بتزامن الحدث مع الشخوص، كما ساعد "الماكياج " في رسم الملامح العامة للشخصيات .

أما على مستوى "الأداء الحركي والاستعراضي" للشخصيات، فقد تألق  بطل العرض الفنان تركي البلوشي ومخرج العمل مع بقية الطاقم التمثيلي، وذلك  من خلال التمثيل على الخشبة أو استعراض الخيول في المعركة والتي تجسِّد الصراع الدائر بين أنصار الكاهن والمتمردين، مع استخدام العصي كأداة للدفاع وأحياناً أخرى لرفع إيقاع العمل ...وهذا جعل الجمهور يتفاعل مع العرض برمته قالباً ومضموناً.

 

·       بَلّها وشِرب مايْها

رابعا : عرض مسرحية (بلها وشرب مايها)، وهي مسرحية كوميدية اجتماعية من تأليف  ناصر العيسائي وإخراج مؤيد العيسائي ... يلخص لنا هذا العرض قصة شاب يبحث عن عمل بعد تخرجه، إلاّ أنه يصطدم بالواقع، حيث  تُغلق أمامهُ جميع الأبواب، ولا  يتبقى له سوى  باب واحد وهو (  شركة الدواجن)! . ولقد انتهج العرض أسلوباً بسيطاً  يخدم الفكرة الأساسية فيه من خلال قالب حواري سردي، مما جعله يقترب من العروض التجارية الجماهيرية، والتي تعتمد الكوميديا فيها على الارتجال والمفارقات السلوكية واللفظية. إلاّ أنه في أحيان كثيرة يكون نجم العرض في مثل هذه العروض، هو المحرك الرئيسي للحدث، كما أنه وسيلة مُثلى لزيادة دخل شباك التذاكر!...وبما أننا أمام "عرض مسرحي طلابي"، كان لا بد أن ندرك بأن العرض سوف يحاور الناس بأسلوب بسيط، بالطبع  مع اختفاء الهدف المادي.

ولقد استهل العرض بمشهدية أقرب "اللقطات التليفزيونية" الصامتة، ذات الطابع الاستعراضي الكوميدي السريع، بُغية فتح شهية المشاهد لمتابعة بقية الأحداث، والتي تصور الرحلة الشاقة التي قضاها الباحث عن العمل، بغض النظر إذا كان قد حصل على تقدير عال عند تخرجه أم لا...! وتأتي المفاجأة، عندما يتم قبول الخريج في شركة الدواجن لينال شرف وظيفة (ختَّام البيض) ! .. وهذا التناقض أثار فضول وتفاعل الجمهور وتعاطفه مع البطل، وخاصة بعد اصطدامه بالمدير (الهندي) الذي كان يحظى بثقة صاحب الشركة، ويتقاضى راتباً يزيد على الألف ريال!! علاوة على الامتيازات الأخرى ..وفي المقابل فإن الخِريج يُعرض عليه راتب شهري لا يتجاوز مئة وعشرين ريالا!

وبذلك  يعيش بطل العرض في دوامة الصراع بين واقعه الذي يتمثل في شخصية المدير (الهندي) وابن  صاحب الشركة الذي يثق في المدير ثقة عمياء، في حين أنه يستبعد ابن بلده !!..وهكذا استمر العرض في سرد معاناة الباحث عن العمل واصطدامه بالواقع المرير ومنغصاته التي تتطلب منه التنازل عن مُثُله، ولكن إلى متى؟!

أكد "الديكور" واقعية الموضوع، فقد اتسم بالثبات طيلة فترة العرض، حيث أن جميع الأحداث دارت في شركة الدواجن، والتي تتكون من مكتب الموظف السوداني والمدير الهندي ومكان تواجد رشود المراسل !!..كما عزفت باقي "المؤثرات الفنية" على الموضوع الأساسي، وتم إدخال بعض الأغاني التي ترتبط بجنسيات الموظفين في الشركة، مثل  سمُاع مقاطع من أغنية هندية أو أغنية سودانية  .

وبالرغم من بساطة الشكل لهذا العرض، إلاّ أنه طرح إحدى القضايا المهمة التي تتعلق بالمجتمع، والتي يفترض أن تناقش أمام المشاهد بجرأة بغيه تنويره، إلاّ أن أداء الشخصيات جاء أقل من المستوى المتوقع ! .. ويعتبر الممثل في مثل هذه العروض بمثابة حجر الأساس فيه، وذلك لكونه يتكئ برمته على الممثلين الذين يُفترض أنهم يمتلكون أدوات قوية تساعدهم على جذب انتباه الجمهور .. وأخيرا، كان لا بدّ من حل مشكلة الصوت في المسرح قبل بدء العرض، حيث كان  الصوت ضعيفا، الأمر الذي جعل الجمهور غير قادر على التواصل أو سماع ما يدور على المنصة.

 

·       زهرة الحكايا

خامسا : عرض مسرحية (زهرة الحكايا) من تأليف عباس الحايك ومن إخراج الطالبة إسراء العجمي ... ويستلهم هذا العرض موضوعه من قصص الجدة ورواياتها الشيقة والمستفيضة، ليسرد لنا فصولاً من حياة زهرة، الفتاة "الصغيرة ـ الكبيرة"، والتي كانت تمتلك شَعْراً أسودَ طويلاً تحلم به البنات اللاتي كُنّ في عمرها.. وأنها بالرغم من أدعية والدتها لكي يحفظها الله من العين، إلاّ أنها تتعرض  للحسد، وتحولت بين ليلة وضحاهها إلى فتاة صلعاء!! تثير الشفقة، فكان مكانها المنزل لتظل حبيسة الجدران!

قسمت خشبة المسرح حسب المراحل الزمنية لِعُمر زهرة، ففي البداية نجد زهرة أسيرة "القفص" الذي وضع على يسار خشبة المسرح، والذي حمل العديد من الدلالات الرمزية  التي تجسد  المعاناة التي تعيشها بطلة العرض، وذلك لكونها أسيرة "الفكر التقليدي" الذي فرضه أهلها عليها، مما ترتب عليه عزلها عن المجتمع المحيط بها، خوفاً من أن يعرف الناس بمرضها ويسخروا منها !... أما الجانب الأيمن من الخشبة، فقد نقلنا إلى الفصول الربيعية من عمر زهرة، ثم ما تلبث خشبة المسرح أن تتوحد، لتسرد لنا تفاصيل أكثر عن حكاية زهرة التي ظلمها المجتمع قبل أن تصيبها لعنة العين، حيث كشف لنا العرض النقاب عن بعض العادات البالية لدى بعض الأسر، والتي يفترض أن تذوب مع تطور الحياة والتعليم والتدفق الحضاري!..ويمكن تلمُّس ذلك من خلال التفرقة العنصرية بين الإناث والذكور،  والنظرة الدونية للأنثى على اعتبار أنها تمثل عاراً على عائلتها، مما يجعلها تصطدم بمجموعة من المحظورات (التابوهات) ، اعتقاداً بأن ذلك سيحافظ عليها، في حين أن ذلك من شأنه أن يزعزع الثقة في نفسها، ويجعلها أكثر اقتراباً من الخطأ!

وهكذا ظلت (زهرة) رهينة "الفكر الاجتماعي التقليدي" الذي تَنَكّر لإنسانيتها، وجعلها أسيرة الشكوك والخوف من حديث الناس عنها، وذلك نتيجة عدم  تقبُّل أسرتها لمرضها بالإضافة إلى كونها أنثى بالدرجة الأولى، مما جعلها تُحرم من مشاركة المجتمع في أفراحه وأحزانه . ومن ناحية أخرى، نجد أن "الضغط الاجتماعي" من قبل الأسرة يتحول لدى زهرة إلى "مرض نفسي" يجعلها تصدق بأن المجتمع ينبذها ويعتبرها رمزاً للتشاؤم واللعنة، لذا أصبحت رهينة "الوهم" الذي نشأت عليه، لذا، فهي ترفض الخروج من ذلك القفص مهما حصل!

          وتتأزم الأحداث وتتشابك لتصل إلى ذروتها عندما تصرخ زهرة معلنة احتجاجها على الأطر التي تحيط بها وتجعلها منكسرة... وفي النهاية، نشاهد زهرة تتمرد وتخرج لتكشف للناس حقيقة مرضها، لتكون بذلك صرخة مدوّية اختارها المؤلف لتعانق لحظة الفرح عند زواج رفيقة  عمرها، لذا فهي تقرر الذهاب لتشاطر المجتمع أفراحه وتشعر الآخرين بوجودها، دون  أن تلتفت لنداء والدتها التي تطالبها بالرجوع إلى السجن الذي ابتدأ "إجباري" عندما فرضه أهلها عليها، ثم تحول إلى سجن "اختياري" عندما ترسخ في قرارة نفسها بأنها (تابوه) محرم، يفترض أن يبتعد الناس عنه، لكي لا تصيبهم نفس اللعنة التي وقعت عليها، بذلك تُنهي زهرة ربيعها ليتحول إلى خريف دائم، وهي لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها!

وترجمت مخرجة العمل "حرفية النص" الذي راعت فيه الفكرة التقليدية التي تتحدث عن حكاية زهرة التي أصيبت بالحسد، وذلك من خلال "الديكور" الذي جسَّد بيتاً تقليدياً عربياً قديماً، مع تصميم القفص بشكل رمزي للدلالة على السجن المعنوي والمادي الذي عاشت زهرة فيه. كما تجدر الإشارة إلى أن توظيف "الأغنية الشعبية" في العرض لم يستخدم كمؤثر فقط، وإنما ساعد على تكثيف الواقع الاجتماعي الذي كانت تعيشه الفتاة، والذي كان يعاني الكثير من الترسبات، كما يحسب للعرض توظيفه لـ"الفلكلور الشعبي العماني" عند الحديث عن الزواج.

تفاوَتَ الأداء التمثيلي بين المتوسط والجيد. إلاّ أنه لم ينخفض إيقاعه إلى دون المستوى المطلوب، وفي نفس الوقت غاب "الماكياج المسرحي" الذي من شأنه أن يميز الملامح العامة للشخصيات، نظراً للتقارب العمري بين الطلبة المشاركين، فعلى سبيل المثال لم نستطع أن نميز بين الأم وزهرة الكبيرة من حيث الملامح العامة..كذلك يفترض تعميق فكرة الإرهاق والمرض لدى المشاهد، فنحن لم  نلاحظ أية ملامح  ظاهرة تؤكد مرضها.

 

وهج التراث وحمال الطبيعة

 

وخلاصة القول، تناغمت أيام صحار المسرحية الثانية مع ليالي ووهج وتراث وجمال طبيعة ولاية صحار البحرية، وحظيت العروض المشاركة بمتابعة جماهيرية عامة وطلابية. كما كشفت عن المواهب الطلابية الفنية البكر، مما  يؤكد رغبة أولئك الشباب في الولوج إلى عالم الفن، إن لم يكن كمحترفين، على الأقل كهواة يمتلكون الموهبة التي من الممكن أن تنضج مستقبلا.

ومما لاشك فيه، أن إحياء مثل هذه التظاهرة من شأنها الارتقاء  بالدراما العمانية، فهي وسيلة جيدة لصقل المواهب الطلابية، غير أنه من الملاحظ  ندرة  حضور العاملين في الحقل الفني في هذه الأيام، حيث يفترض أن يحرصوا  على حضور مثل هذه الفعاليات، لتقديم الدعم  المعنوي والفني للشباب العماني.

 

يُرجى من الزائرين ممن يرغبـون اقتباس المـادة المنشورة هنا، أن يعتمد رابط الموضوع في المجلة دون المادة، وذلك بسبب تنوع البرامج التحويلية التي قد تتسبب بتشويه ترتيب المادة وتبعثر محتواها..

مع التقدير / إدارة التحرير


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • مواضيع المجلة
  • أراء خاصة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية

      الجديد :



 تهافت منطق "التأويل العلمي" عند الدكتور زغلول النجار وآخرين!

 شكوى الحروف

 قلْ .. ولو كفراً

 رقَّ القلب

 أيها النقاد.. أنتم أمناء ولستم مسترزقين.!؟

 الروائية اللبنانية هدى بركات وثقافة الحرب

 أمسية شعرية فـي (شارع الوكلات)

 المسرح العُماني وبذور الإبداع

 قراءة في رواية

 ما نعرفه نصف الحقيقة وما نخشاه نصفها الآخر


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 رباعيةُ الربيع

 حسين عجيب في ديوانه / بلا دار - الشعر كتبادل للصمت

 " شاهدة على يدي " لعلي العلوي

 تغريبة القوافل والمطر

 متسكّع في مقهى باريس (2)

 تهافت منطق "التأويل العلمي" عند الدكتور زغلول النجار وآخرين!

 ياعيد تنهرني المدائن لو......

 لغة الغالب والمغلوب: تفاعل أم تغييب؟

 من مداخلات مهرجان سوسة للمبدعات العربيات

 لا أحتاج إلى أصدقاء فلدي طيور


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
info@dalilmag.net


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net