|
علي دهيني
كان مهرجانا بحق..
كان فرحاً بعودة النبرة الغاضبة جنباً إلى جنب مع النغمة الحالمة..
كان شعراً يخرج من العِباب ليستقر في الألباب.
... وجاء العرب.
جاؤوا، فانتفت صيغة الغائب وأخذت معها "كان" وأخواتها، ليشرق الحاضر ترنيمة حلوة مضارعاً بوحَهُ بَسْمة على الشفاه، وهديراً صارخاً في الحناجر : أي تعالوا إلى الحب، إلى الألفة، إلى النور في القلوب.
جاء الشعر، وتمايلت الحبيبة بكل غنجها بين الشطور صبية وعواجز..
جاء لينثر رفيف النبضات بعيداً عن القبضات.. ويستفعل الحب ويُفعّله في نفوس الأحبة، فيسكرون على خمر القوافي وتعتيق القصائد في خوابي العشق، وقد تعاقر كل واحد منهم أحضان الآخر " مرحباً بك في لبنان".
كانت لحظة مفعمة بالعاطفة لا يرقى الوصف لتسجيلها.
فإذا كان الشعر في متون الثقافة هو أغنية العروس يوم زفافها وبندقية المقاوم في ساحة المعركة، كما هو صرخة المظلوم في وجه الطغاة ومخزن تاريخ ثقافة الشعوب، إذن هو يستحق أن يقام له مهرجان الأمة..
جاء الشعر، وجاء الصوت:
"أعلن افتتاح الدورة الأولى لـ "مهرجان لبنان السنوي للشعر العربي".. هذه هي إشارة البدء التي أطلقها راعي الاحتفال رئيس مجلس النواب اللبناني الاستاذ نبيه بري من على مسرح قصر الأونيسكو في بيروت مساء الخميس 23/10/2008 بدعوة من "ديوان الكتاب" الذي نسق أعمال وأنشطة المؤتمر، و "دار الهادي" الذي استضاف الوفود وتولى تغطية كافة التكاليف على مدى الأيام الأربعة، وكلاهما بالتنسيق مع "وزارة الثقافة اللبنانية" و "اتحاد الكتاب اللبنانيين" و "الحركة الثقافية في لبنان"، حيث تعاون الجميع في السهر على إنجاح هذا المهرجان الذي، حقيقة، لم يخيّب آمالهم كما لم يخيّب رجاءات الشعراء الذين حضروا من أرجاء هذا الوطن العربي الكبير، حذرين في خطوهم لِما في ذاكرتهم من أحداث وظروف عاشها لبنان في السنوات الماضية، وإذا كل هذا الحذر والقلق يتبددان لدى وصولهما إلى قاعة افتتاح المؤتمر من خلال ما شاهدوه من حشود جاءت لتحتفل بهذا الحدث الوطني الكبير.
إن مجرد قيام هذا المهرجان في لبنان هو إنجاز وطني يعادل ما أنجز في الأشهر الأخيرة من اتفاقات لها أبعادها على مسيرة هذا الوطن، فجاء هذا المهرجان ليكمل مسيرة بناء الهيكل اللبناني، بل، ويضع ألأسس الحقيقية له من خلال إقامة مهرجان ثقافي بهذا الحجم تحت عنوان الشعر. وكما قال الأستاذ نبيه بري " اعيد التأكيد من جهتي إن استقرار النظام الثقافي في لبنان هو الأساس الراسخ لاستقرار النظام العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني".
الافتتاح وكلمة المنسق العام للمهرجان
في تمام السابعة من مساء الخميس، عزفت الموسيقى النشيد الوطني اللبناني، ليتقدم عريف الاحتفال الفنان جهاد الأطرش، يعبّر بكلمة وجدانية عن أهمية هذا الحدث العربي الثقافي الكبير، ويدعو المنسّق العام للمهرجان الشيخ فضل مخدّر مدير عام ديوان الكتاب لإلقاء كلمته التي جعلها حواراً ثقافياً بلاغيا، وجدانياً وإنسانياً. لتكون مُحاوِرَتُه في جُمله عروس شموخنا وعزنا، وحاملة ثقافتنا، التي أتته على حين حلم لحظة تهويم عين الفجر التي داهمته إغفاءتها، ليسألها من أنتِ؟ " أتسأل من أنا؟.. أنا يمكن أن أكون هذا الهواء، أو بعض نسمة، أو قطرة ماء سُكبت في مُزْنة مَرّت بيوم على يعربٍ، وحين هطل الشتاء سَرَيْتُ بين الخدائج في مسقى نبتة "أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"، وقد استوت على ساقها، واستغلظت تعجب الزارع لتغيظ كل الذين عاندوا الحرف والشعر، والكلمات التي سامرتنا بها الملائك. (أنا)..أنجبتني أمي الصحراء بيوم لا يُعدّ على مدارات الأزمنة من أيامكم وما زلت أسدي في نفوسكم وعلى كل حسيس، مداد حبري من أقلامكم.. (أنا)..أنيسة كل وجدٍ وقرينة أبياتكم وما تنطقون وما تسطرون، أحترق كي تستضيء أوراقكم وعلى مد القرون لا تنطفيء شعلتي. فأنا الحرف الأول والآخر من القصيدة التي أسميتموها اللغة العربية، ورحتم تقرأون آياتها: بُنيّ أنا أمكم الضاد".!!
أمين عام اتحاد الكتاب اللبنانيين
بعده تحدث أمين عام اتحاد الكتاب اللبنانيين الشاعر غسان مطر مرحبا بالوفود ومثنياً على الشعراء الذين لبوا الدعوة مع تقديره لعذر المعتذرين، مبدياً تساؤلاً له دلالته في الوجدان الإنساني والثقافة العربية خصوصاً، سائلاً، "هل يحق لي في مهرجان الشعر، أن أعلن خوفي على الشعر؟ سؤال بحجم الفضيحة ولكنه يؤرقني كما تؤرق العاشق خيانة الحبيبة" وبمرارة الخائف على عشقه من هرم العمر وتجاعيد السنين، يطلق صرخة المألوم "وحدهم الشعراء يقرأون اليوم الشعراء. والمدن العربية التي كان الشعر شمس نهاراتها وقمر ليلها اقفلت في وجهه الابواب وما عاد بيت واحد من الشعر يمر بين شفتي صبية او يؤنس ارق المنقبين. وكم كنت ساذجا حين شبه لي ان العرب هم شعب الشعر وان جرثومة عشقه تنتقل عبر الجينات من جيل الى جيل. فاذا بي مخدوع حتى انقطاع الرجاء".
وزير الثقافة
ثم كانت كلمة وزير الثقافة السيد تمام سلام الذي أكد ان مجيئه إلى هذه الوزارة في حكومة الوحدة الوطنية ما كان إلاّ لشعوره بأهميتها وانتشالها من حالة الهدوء والسكينة التي كانت تعيشها مرغمة، ولكي يعطي لهذه الوزارة واسمها، ويفعّل ما يجب أن تكون عليه من رعاية لكل الأنشطة الثقافية بمختلف عناوينها وفعالياتها. ولإيمانه بأن شعباً لا يعيش ثقافة أمته لا يمكن أن يساهم في بناء وطنه. وخاطب الشعراء العرب بأنهم هم أهل المهرجان لأن "الشعر يتجاوز كل الحدود الى القلوب، وما نجح أحد في كتم كلمات لشاعر، وما نجح في منع وصولها الى الناس وما نجح في وأدها داخل أية حدود".
راعي المهرجان
وجاءت كلمة راعي المهرجان لتختم لغة الخطاب وتهيء الأسماع والقلوب المشغوفة شوقاً إلى القافية ورنّة الشعر وبلاغة الكلمة.
فقال الأستاذ نبيه بري، "بعد أن عبَر لبنان معمودية النار الى استعادة وفاقه في الدوحة. وبعد أن عاد وسلك طريق الديمقراطية التوافقية كما في الطائف والدستور وانتخب رئيساً للبلاد وتشكلت حكومة وحدة وطنية ونهض مجلس النواب بمسؤوليته التشريعية وكان من بواكير انتاجه قوانين تخص الثقافة. وبعد أن دبت الروح في جسد المجلس الدستوري. وبعد أن اقتنع الجميع بسلوك طريق المصالحة الى المصافحة والمصارحة وبالتالي العودة الى الحوار لبحث سبل الدفاع عن لبنان بمواجهة العدوانية والاحتلال الاسرائيليين. وبعد التصميم الوطني على مواجهة تحدي الإرهاب.. أقول لم يعد ينقصنا سوى الشعر العربي الناضج، لا الاختباء في لغة من يضطهدنا رغم اليأس الذي يزحف ببعده وببطء ويكاد يلتهم إرادتنا ويأخذنا الى حدّ الإحباط وصولاً الى نعي الشعر لذلك أيضا أعلن افتتاح "مهرجان لبنان السنوي للشعر العربي".
بعد كلمة راعي الاحتفال، كانت الأمسية الأولى التي بدأها الشاعر "د.محمد علي شمس الدين" بقصيدتين واحدة من ديوانه شيرازيات، والثانية جديدة من وحي المناسبة.
ثم تلاه الشاعر "عبد القادر حصني" الذي أبدع في مخاطبة اللغة الشعرية وغاص في رحابها متجلياً مع تفاعل الحضور.
بعده اعتلى المنبر الشعري الشاعر "د. المتوكل طه" ليلهب العواطف الشاخصة نحو فلسطين ويموج في تفعيلاته غائصاً في وجدان الأمة وضمائرها، مخاطباً شيبها وشبابها من ذكر وأنثى، وبأن القدس ستبقى موئل ريادتنا ومحط أعيننا معبراً عن ذلك في جملة من قصائده المعروفة.
ليختم الأمسية الأولى الباحث والشاعر المصري "أ د. محمد ابراهيم أبو سِنّة"، ببعض من قصائده.
ــــــــــــ
ملاحظتان، ألأولى، أعتذر من الذين كانوا يرغبون في ذكر هوية الشاعر وجنسيته، لأنني أعتبر أن هوية الشاعر وجنسيته هي لغته، لذا ذكرت الأسماء منفردة بذاتها. الملاحظة الثانية، أننا سننشر النص الكامل للكلمات ابتداءً من الغد مع شريط الصور لكل نشاط.
|