|
ضـد القوالـب والتقـاليـد انور محمد
إذا كان "إراسموس فون روتردام" قد كتبَ في "مديح الحماقة"؛ فإنَّ هوميروس كتب في تهزيل الضفادع والفئران، وفيرجيلوس في "تبعيض" البعوضة، وإيسوكراتس في مديح الظلم، وسينيسيوس في مديح الصلع، ولوقيانوس في مديح الذباب والطفيليات.  غير أنَّ إراسموس في "مديح الحماقة" يختلف عن هؤلاء الكتَّاب؛ إذ هو ينتصر للعقل والحرية، وبتهكُّمٍ فيه عنفٌ على مثاليةٍ تستغفل /تتحامقُ على مادية، وعلى فقهاء دينٍ حين يصادرون العقل فلا يُفكِّر. إراسموس يربط بين فكرة العقلنة وفكرة التطوُّر؛ فلا تتفاهم/ تتذاكى السياسة على العلم، ولا الإيمان على التقدُّم. وُلِدَ إراسموس عام ١٤٦٩ في روتردام /هولندا، لأبٍ من رجال الكهنوت، غير أنَّه فضَّل حياة الكاتب الأديب على حياة رجل الدين، فعاش الحرمان والتشرُّد، وكانت دراسته في باريس سنوات ١٤٩٥ـ١٤٩٩ قد أفسدت عليه مذاق الاطلاع في ميدان الفلسفة المدرسية. لكنَّه في إقامته الطويلة في انكلترة تبيَّن له ومعه "جون كوليت" و "توماس مور" أنَّ الثقافة أساسُ التقدُّم الاجتماعي والديني. بعد انكلترا انتقل إلى إيطاليا فبقي فيها من سنة ١٥٠٦ إلى سنة ١٥٠٩ وعمل خلالها في مطبعة "الدوس" الشهيرة، ثم اشتغل مدير دراسات كلية اللغات في (لوفن) ثمَّ تركها حتى لا يصطدم مع خصوم الإصلاح الذين أرادوا أن يُلزموه ببرنامجهم ضدَّ (لوثر). وسافر بعدها إلى "بازل" سويسرا ١٥٢١ـ.١٥٢٩ ثمَّ رحل عنها إلى (فرايبورغ)، وبقي فيها حتى عام ١٥٣٦ ليعود ثانية إلى بازل حيث يموت ويدفن فيها. "مديح الحماقة" واحدٌ من الكتب التي عملت انقلاباً فكرياً، واستخدمت قوَّة العقل لمقاومة جور السلطتين الدينية والسياسية وتعسُّفهما؛ إذ يرقى بمؤلِّفه إراسموس ليكون واحداً من أهمِّ وأكثر المفكِّرين الذين شنُّوا هجوماً قاسياً على "الوحدانية" حيث يستغلُّ علماء اللاهوت منصبهم، ويقومون بالمتاجرة بقدرة (الإله) الواحد على خلق العالم؛ إذ لولا حماقة البشر ـ إيمانهم، ووضع عقلهم على الرصيف لما كان لهؤلاء العلماء من مكانة، ولما اشترى إنسان منهم أيَّ صكٍّ من صكوك الغفران. وكأنَّ إراسموس يريد أن يقولُ إنَّه إذا كان الإغريق قد اعتمدوا العقل والحكمة فإنَّ "الوحدانية" اعتمدت الحماقة، ولولاها ربَّما ما كان لها وجود. فهو يرى أنَّ كلَّ البشر بُلْهٌ حتى الأتقياء منهم. بلاهة وقذارة ومن ثمَّ يتساءل: أوَلَمْ يتحوَّل المسيح ذاته، وهو الذي يمثِّل حكمة الأب بطريقة معينة إلى أحمق، حين أراد أن يخلِّص البشرية من حماقاتها واتخذ صورةً بشرية؟ وكذلك تحوَّله إلى خطيئةٍ ليمحو الخطايا، غير أنَّه لم يشأ أن يمحوها بطريقةٍ سوى طريقة حماقة الصليب؟ إراسموس كأنَّه يهجو الحماقة وليس يمدحها فحسب، لأنَّه يريدنا أن نتحامق ونمرِّرها؛ ونقبلَ بالجمهور الأكثرِ بلاهةً وقذارةً من البشر ـ بالتجَّار؛ الذين لا بدَّ من وجودهم، فيمارسون العمل الأكثر إثارةً للاشمئزاز ـ التجارة. ففي الوقت الذي يقسِّمون فيه الأيمان دون روية ولا تفكيرٍ لتسويق بضاعتهم فهم يستغبون البشر، دون أن يكشفوا لنا أنَّهم كاذبون، وأنهم يسرقون ويغشون، ويخادعون وبأسلوبِ السَّحرة، فيتظاهرون؛ يتحامقون في إطار وعيهم أنَّهم أثرياء، وبأنَّهم من أهل البراءة والاستقامة ومن الدرجة الأولى، وفوقها يستحمروننا بمجموعةٍ من المتملِّقين المتزلفين التي تبدي إعجابها، بل وتقديسها لهم ذلك من أجل نزرٍ يسير من المال يهرُّونه عليهم. مقاومة الاضطهاد إنَّ إراسموس في كتابه هذا يضعُ الحماقة مقابل الحكمة، فهي موجودة تحلُّ ـ ليس من الحلولية ـ في كلِّ مكان، لأنَّها أساس الوجود البشري. فالأنثى تعرف ما ستفعله بعد الزواج من حبلٍ وآلام ولادة تضعها على مشارف الموت، ورغم ذلك تصرُّ على رفع ساقيها. أليس ما تفعله حماقة؟ ثمَّ أليس الأحمق منها هو الزوج الذي سيعاني ما يعاني من الزوجة؛ وتراه يندفع بقوَّةٍ إلى الزواج، لتكون له زوجة. تُرى لو كان الواحد منهما يمتلك عقله هل يتزوَّج؟.. لا بدَّ من الحماقة لكي تكتمل دورة الحياة. "مديح الحماقة" لإراسموس فون روتردام الذي يبدو أنَّه حين كتبه كان متأثَّراً بكتاب "سفينة الحمقى" لسيباستيان برانت، يدافع بقوَّةٍ عن حريَّة البحث عن الحقيقة، وهذا ما أعطى مديحه قوَّة مقاومة الاضطهاد الفكري والسياسي الذي يمارسه رجل الكهنوت ورجل السياسة على البشر. * صادر عن وزارة الثقافة السورية ،٢٠٠٧ ترجمة محمد جديد.
جردية السفير 6/10/2008
|