|
لنقل هي حياة أخرى يحياها محمود درويش بعد رحيله. حياة أخرى عند أصدقائه ومعارفه وأحبائه الذين يرغبون في أن تبقى ذكراه حاضرة. لكن متى كان رحيل الشاعر، جسديا، يعني غيابه النهائي. يكفي أن نعود ونقرأ شعره ليبقى. بيد أن حزن الرحيل لا بد أن يستوجب بعض الشكليات الأخرى. بهذا المعنى نفهم الندوات الاستذكارية التي تقام اليوم في ذكرى أربعين محمود درويش. من هذه الندوات، تلك التي أقامها مسرح المدينة بالاشتراك مع مجموعة "عائدون" مساء الاثنين الماضي واشترك فيها كل من فيصل دراج وحسن العبد الله ومحمد دكروب، وأدارها سماح إدريس، وقد اعتذر عن المشاركة فيها الشاعران نزيه أبو عفش وأحمد دحبور لأسباب صحية كما أعلن. بداية كلمة ترحيبية من سماح إدريس الذي رأى "أننا هنا لا لتذكر شاعر وسياسي" فهو "قد تميز كما لم يتميز أحد من قبله". كلمة إدريس جاءت حول الشعر والسياسة عند محمود درويش وعن التمايز بين الوظيفتين، مستذكراً أيضاً إقامات الشاعر في بيروت على فترات متفاوتة. من جهته تحدث فيصل دراج عن شعر درويش وكيف أن بعض قصائده كانت تحمل بياناً شعرياً مضمراً يُخبر فيها عن طبيعة الشعر ووظيفة القارئ. وبعد أن شرح دراج هاتين الوظيفتين، خلص إلى الحديث عن توصُّل درويش إلى صيغة شعرية ملائمة وهي صيغة الشاعر الرومانسي بمفهوم الشاعر النبي. لكن درويش تخلص من هذا المفهوم وتحرر، على حدّ قول الناقد والباحث، بعد الخروج من بيروت، ليجنح إلى شعر أعاد فيه التساؤل حول القضايا الأساسية كالحب والموت، وبخاصة في جداريته التي اعتبرها دراج أنها تمثل خلاصة مشروعه الشعري وهي قمته. (على صفحات الموقع دراسة كاملة حول هذه المجموعة للدكتور جابر عصفور يمكن العودة إليها على الرابط التالي:http://www.dalilmag.net/index.php?id=62 وغيرها عن الشاعر الراحل ) الشاعر حسن العبد الله تطرق إلى بعض جوانب علاقته مع درويش قائلا إنه (أي الشاعر الراحل) "عاد خاسراً من المواجهة، هكذا انتهت لعبة درويش الرهيبة مع الموت بانتهاء لعبته مع الحياة". ورأى العبد الله أنه "عندما أفتح كتاباً لدرويش وعلى أي قصيدة أو مقطع شعري، فإنه يكون متأكداً من أن الشعر واضح وأكيد أكثر مما يكون لدى قراءتي لشاعر آخر". ليتناول بعد ذلك جمال الشعر وبداهته في قصيدة درويش كما براعة الإيقاع عنده، وقد شدّد العبد الله على هذه الناحية في كلامه، لينتهي بالقول "برحيل درويش فقد عالمنا الشعري شيئاً من وهج شمسه ومن ألف قمر"... الناقد محمد دكروب تكلم عن بعض جوانب النثر عند درويش وبخاصة في كتابيه "ذاكرة للنسيان" و "حضرة الغياب" معتبراً أن نثر درويش يتكشف عن نثر غير عادي ويدفع إلى التأمل في أسرار جاذبيته وكيف تتغير أسرار الكلمة وتتبدل مثل ألوان اللوحة. كذلك تطرق الباحث إلى دلالات هذه الكلمات من حيث تجلي التأملات الفكرية والرؤية الفلسفية.
|